الخميس، 28 يناير 2010

"من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر"

قال صاحبي العجوز وهو يشعل نصف سيجارته المتبقي من جلسة تدخين سابقة, "ألا تذكرون قول المسيح عليه السلام عندما طلب منه اليهود رجم المخطئة فقال لهم من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر"
قلت له وما علاقة هذا بموضوع اجتثاث البعث والعدالة والمؤتمر الصحفي لمام جلال؟
قال لي وهو ينظر إلى الأفق الغائم: كان مام جلال قائدا وليس رئيسا عندما تكلم عن تجربة كردستان في التعامل مع الجحوش والبعثيين والمتعاونين مع حكومة الدكتاتور وكيف أصدرت عفوا عاما عن الجميع
قلت مستغربا: ولكن هل يسكت المظلومون سابقا عن من اعتدى عليهم؟
قال صاحبي مبتسما: لقد أسقطت الحكومة بعفوها الحق العام لكتها لم تسقط الحق الشخصي فكان يمكن لأي شخص أن يشتكي في المحكمة على اي بعثي أو أي شخص بحقه الشخصي وفق القانون السائد
قاطعته قائلا: وماذا فعل الناس؟
أجابني: أليست الناس على دين ملوكها؟ بدأ الناس بالاهتمام بمستقبلهم متناسين الماضي وها أنت ترى أين وصلت كردستان مقارنة بمناطقنا في الوسط والجنوب حيث لا زال الناس يفكرون بالماضي ويحثون الآخرين على الحياة في الماضي القريب أو البعيد لأن المستقبل لا يهمهم
قلت مقاطعا من جديد: ولكن البعثيين أجرموا بحق شعبنا وقتلوا وسجنوا وعذبوا وما قاموا به استهدف الجميع!
أبتسم صاحبي مكشرا عن أنياب أتلفها الدخان والعمر وقال بعد أن سحب آخر ما تبقى من سيجارته: ولكن ألم يشترك الجميع في الجريمة؟
قلت له: كلا بالطبع فأنا لم أشترك بالجريمة ولم أكن بعثيا
قال وهو يبحث في جيوبه عن سيجارة أخرى: عندما كان جيش البعث يحرق القرى في كردستان ويقتل الناس كنت أنت قي خدمة الاحتياط في الجيش أي إنك اشتركت في القتل والحرق
قلت مدافعا عن نفسي: ولكن خدمتي كانت في البصرة يومها
قال: إذا الجندي الذي كان محلك قد ذهب ليقتل ويحرق في الشمال
قلت: قد يكون كلامك صحيحا إلى درجة ما ولكن ألم يكن هناك كثيرون هربوا من الجيش أو شاركوا بالمعارضة ؟
قال بصوت واطئ لم أكد اسمعه: ألم يقتلوا عراقيين أيضا بتفجيرات وزارة التخطيط والإذاعة والخطوط الجوية العراقية وغيرها من التفجيرات في الشوارع وغيرها من الحوادث ؟ أليس الجميع مشتركا بقتل العراقيين تحت مختلق الأسماء؟
وأضاف بصوت أعلى: ولكن مام جلال كان واضحا وصريحا ليس كرئيس للدولة ولكن كقائد عندما قال إن بعض البعثيين لم يكونوا مجرمين ومع ذلك فقد نصح الجميع للالتزام بالدستور والقانون وبين أن رأيه الشخصي شيء ورأيه الرسمي كرئيس وقائد هو اللجوء للقضاء ليقول كلمته
فكرت في كلام العجوز وكيف إن مام جلال كان قائدا شعبيا ولم يستغل موقعه الرسمي ليفرض على الآخرين رأيه بل ترك الموضوع للقضاء ومجلسه ولم يهدد ويتوعد ويقسم بالويل والثبور
كان جلال الطالباني قائدا يفكر في مستقبل العراق بلده ويفكر في السلام الذي سيبني البلد ويبني التقدم والازدهار والأمان
كان مام جلال يدعو للعفو والمصالحة وأرى إنه كان يقصد المصالحة مع النفس أولا ثم مع الغير فالانتقام لن يجر إلا الانتقام ومن يزرع العنف لن يحصد إلا العنف، كان يريد للعراق أن يبنى كما تبنى كردستان في ظل قيادة أبوية تفكر في مستقبل أبنائها وليس في ظل قيادة طفولية تحرق نفسها وتحرق غيرها وتعيش في ظلام الحقد المستمر والماضي الكئيب متناسية المستقبل المشرق الذي يمكن أن يكون وسيكون إن شاء الله بوجود قادة مثل مام جلال وغيره الكثيرين من أبناء هذا الشعب الطيب من مختلف المكونات والعناصر

ليست هناك تعليقات: