لماذا رفض المؤسسون النظام الديمقراطي ولا زالوا يرفضونه في أمريكا
عندما خرج بنجامين فرانكلين من المؤتمر الدستوري سألته إمرأة من الجمهور: ماذا أعطيتمونا يا سيدي؟ فكانت إجابته الفورية: جمهورية يا سيدتي إذا أستطعتم المحافظة عليها.
ومع ذلك فإن معظم الأمريكيين اليوم مقتنعون بأن نظامهم هو (الديمقراطية) وليس (الجمهورية) . والفرق بين هذين المفهومين يعتبر مهما لفهم النظام الحاكم في أي بلد.
قبل مناقشة أشكال النظم السياسية من المهم مناقشة الفكرة المنتشرة والمشوشة عن الطيف السياسي حيث يعتقد الكثيرون بأن الطيف السياسي يضع المجموعات السياسية مثل الشيوعيين في طرف اليسار بينما يضع الفاشست والطغاة في طرف اليمين ويضع المعتدلين في الوسط.
ولكن التصنيف الأدق للطيف السياسي هو أن نضع النظام الذي لا توجد فيه أي سلطة للحكومة إلى طرف اليمين و نضع النظام حيث للحكومة السلطة المطلقة في آخر اليسار وبذلك تكون اللاحكومة في منتهى اليمين وتكون الحكومة الشمولية الكلية في منتهى اليسار وتشمل هذه الأنظمة أسماء مثل الشيوعية والأشتراكية والنازية والفاشية والطغاة والملكية المطلقة وغيرها من الحكومات الشمولية أو المطلقة بكل أنواعها. أما
أولئك الذين يضعون النازية والفاشية في أقصى اليمين فإنهم لا يقدمون أي
تفسير لذلك ويسبب هذا الكثير من التشويش في فهم الأنظمة السياسية.
ويأتي في الوسط مكان الحكومة المحدودة بدورها الصحيح في حماية حقوق الناس وفي هذا الموقع المتوسط يكون موقع دستور الولايات المتحدة مثلا ويكون دعاة هذه الحكومة هم بالفعل الدستوريون المعتدلون.
لنتعرف على النظم الأساسية للحكومات وهي:
- حكم الشخص الواحد (الحكومة المطلقة)
- الأوليغاركية (حكم المجموعة)
- الديمقراطية (حكم الأغلبية)
- الجمهورية (حكم القانون)
- أخيرا الفوضوية (اللاحكومة) حيث لا يوجد حاكم
ويمكن إختصار هذه النظم بعد مناقشتها إلى عدد اصغر ، لأن حكم الفرد أو الحكم المطلق لا يوجد عمليا فهناك دائما مجموعة تقدم شخصا منها ليكون حاكما منفردا فالملك المطلق له مستشارين والدكتاتور له مكتب سياسي أو لجنة مستشارين أو موجهون من خلف الستار رغم إن الحاكم يبدو منفردا. لذلك سنلغي الملكية المطلقة والدكتاتورية لأنه ليس هناك حاكم واحد بل مجموعة تحكم من خلال شخص واحد يكون واجهتها.
أما الأوليغاركية (حكم المجموعة) فهي الأوسع إنتشارا على إمتداد التاريخ و الأوسع إنتشارا حتى الوقت الحاضر. فكثير من الأمم اليوم تحكمها مجموعة صغيرة متسلطة بمختلف الأسماء كحزب حاكم أو منظمة واحدة ، لذلك فسنبقي حكم المجموعة أو ما يعرف بـ(الأوليغاركية) في الطيف.
وفي الطرف الآخر أي طرف اليمين نجد (الفوضوية) التي تعني اللاحكومة. فقد نظر بعض الناس في التاريخ ووجدوا إن أسوأ الجرائم في التاريخ إرتكبتها الحكومات فقرروا أن إلغاء الحكومات فكرة جيدة .. وهذا خطأ. لأن الأغريق القدامى قالوا (بدون القانون لا يمكن وجود الحرية). و إن إبقاء قدر معين من الحكومة هو قوة لازمة لأي مجتمع متمدن ومنتظم.
وفي حالة اللاحكومة فإن على كل شخص حماية حياته وحريته وحياة عائلته وممتلكاته و أن يكون كل شخص مسلحا ومحدود الحركة كي يتمكن من حماية أهله و ممتلكاته دائما.
ويقوم
الناس عادة بإستئجار آخرين لحمايتهم بينما يقوم المتحضرون يتشغيل أفراد
مثل العمدة (الشريف) أو الشرطة أو أي نوع من القوة أو ما يسمى بالحكومة
لحمايتهم وفقا لقانون يتفق عليه وعندما يتم تطبيق القانون يكون الناس أكثر
حرية حيث يمكنهم الأبتعاد عن ممتلكاتهم والعمل في الحقول وما شابه ذلك دون الخوف على ممتلكاتهم أو عوائلهم لوجود الحكومة أو القوة المكلفة بهذا الواجب. إن الكمية الصحيحة من الحكومة تجعل الجميع أكثر حرية.
ولكن
هناك البعض الذين يروجون للفوضوية ليس لأنهم لا يريدون حكومة بل لأنهم لا
يريدون ما لديهم ويستخدمون الفوضوية كأداة للتغيير الثوري .وتكون الفوضوية
كالفراغ الذي يتطلب شيئا بديلا وسريعا لملئه. ويريد هؤلاء الفوضويون إلغاء
الحكومة القائمة بالعنف والسلب والنهب والقتل والإرهاب فتبدأ الفوضى ومع
الأسف يلجأ الناس الذين يعيشون هذه الفوضى إلى القادرين على إنهائها
ويطلبون منهم إنهاءها وإعادة النظام .. ومن هم أكثر القادرين على وقف
الفوضى ؟ بالطبع إنهم نفس الذين بدأوها فيقوم نفس هؤلاء الفوضويين بتشكيل
حكومة جديدة تدار حسب رغباتهم ويقودونها فتكون (أوليغاركية) ويكون لهم
السلطة الكاملة .. وهذا ما حدث في التاريخ عندما إستلم لينين والحزب
الشيوعي السلطة الشاملة في روسيا وتكرر المشهد كذلك عندما خلق ذوو القمصان
البنية الفوضى في ألمانيا ليستلم هتلر السلطة.
ولكن
الفوضوية أو (اللاحكومة ) هي مرحلة إنتقالية غير مستقرة .. إنتقالية من
حكومة قائمة إلى حكومة يريدها بعض المتعطشين للسلطة وغير مستقرة لأنها حالة
موقتة وغير دائمية لذلك فقد شطبناها من الطيف السياسي.
وننتقل
إلى الديمقراطية الآن حيث تأتي كلمة الديمقراطية من كلمتين يونانيتين هما
(ديموس) وتعني (الشعب) و (كراتيين) وتعني (يحكم) وهي تعني حكم الشعب أو حكم
الأغلبية. ومع إن هذا يبدو جيدا إلا إننا نشعر بالظلم حيال ما يمكن أن
تفعله الأغلبية ‘ذا قررت أن تأخذ بيتك أو عملك أو أطفالك ؟
عليه
لا بد أن يكون هناك حدود إلا أن الديمقراطية تسمح للأغلبية للحركة بلا
حدود فإذا أقتنع أكثر من نصف الناس بشيئ فلهم الحق بأن يفعلوه.
وماذا
عن الجمهورية ؟ ويعني المصطلح ريببليكا (حكم القانون). فالجمهورية
الحقيقية توجد حيث يقيد القانون الحكومة مما يسمح بترك الناس بلا تدخل
منها.
وكان
للمؤسسين فرصة جيدة لكتابة ما يشاؤون من نظام وكان يمكنهم إختيار
الأوليغاركية حتى إن البعض أراد تنصيب جورج واشنطن ملكا لهم. ولكن الآباء
المؤسسين درسوا التاريخ جيدا لذلك أعطونا حكم القانون في (جمهورية) بدلا من
حكم الأغلبية في (ديمقراطية). والسؤال هو لماذا ؟
لنمثل
الفرق بمثال من الغرب القديم حيث يلاحق 35 فارسا شخصا يحمل مسدسا فيمسكوه
ويصوتون على شنقه فتكون النتيجة 35 مقابل 1 فيقومون بشنقه وتنتصر
الديمقراطية.
والآن
لنتصور نفس الحالة في نظام (جمهورية) .. فما أن يمسك الفرسان بالمسلح
ويريدون شنقه حتى يصل العمدة ويقول لهم بأنهم لا يستطيعون قتله لأن له الحق
بمحاكمة عادلة. فيأخذون المسلح إلى المدينة وينتخبون المحلفين من أفراد من
عمره لمحاكمته ويستمع المحلفون للتهم والدفاع ويقررون حكمهم ولكن لا يمكن
الحكم عليه إلا بالإجماع وليس بالأغلبية أو يطلق سراحه. ويكون مصير المسلح
مرتبطا بالقانون وليس بالأغلبية. و هذه صفات الجمهورية
وقد
يتعجب الكثير من أن كلمة (الديمقراطية) لا تظهر في وثيقة الأستقلال ولا في
الدستور الأمريكي كما لا تظهر في أي من دساتير الولايات الخمسين التي تشكل
الولايات المتحدة. وقد بذل الآباء المؤسسون في أمريكا جهدهم كي لا يكون
هناك (ديمقراطية) .
كتب
جيمس ماديسون المعروف بأبو الدستور يقول "كانت الديمقراطية دائما سببا
للأضطرابات والخلافات" و "كانت غير متوافقة مع السلامة الشخصية أو حق
الملكية" و "كانت على العموم قصيرة العمر كما كانت عنيفة في موتها".
ويوافق ألكسندر هاملتون ويقول "إننا حكومة جمهورية ..وإن الحرية الحقيقية لا يمكن إيجادها في الطغيان ولا في التطرف بالديمقراطية"
بينما يقول صموئيل آدامز الذي وقع وثيقة الاستقلال "إن الديمقراطية لا تدوم طويلا لأنها تتلف وتنهك وتقود للكراهية وتقتل نفسها"
وكان
للمؤسسين سببا جيدا للإبتعاد عن الديمقراطية. فقد عرفوا أن الديمقراطية
أدت في اليونان القديمة إلى خلق أعنف الحكومات التي يمكن تخيلها والتي
إنتهت بكل الأحوال بالفوضى والحكم الأنفرادي وأخيرا بالدكتاتورية.
وخلال
ذلك الوقت ظهر رجل إسمه (صولون) في اليونان طالب بإنشاء قوانين ثابتة لا
تخضع لرغبات الأغلبية. ولم يتبنى الأغريق أفكار صولون .. لكن الرومان
فعلوا. وبناءا على ما تعلموه من صولون وضعوا جداولهم القانونية الأثني عشر
وبالفعل فقد أنشأوا جمهورية حددت سلطة الحكومة وتركت الناس يعيشون أحرارا
ضمن القانون. ولأن الحكومة كانت لا تتدخل فقد بدأ الناس ينتجون عارفين إنهم
سيحتفظون بثمرات عملهم لأنفسهم.
ومع
الوقت إزدادت ثروة روما وأصبحت محط أنظار وحسد العالم وفي خضمّ الثروة
والوفرة نسى الرومان متطلبات الحرية ونسوا إن من مميزات الحرية هي الحدود
الصحيحة للحكومة وعندما تزيد سلطة الدولة تتناقص حرية الشعب. وما أن أسقط
الرومان حرصهم بدأ السياسيون المتعطشون للسلطة بتجاوز حدود السلطة الممنوحة
لهم بموجب الدستور الروماني وعرف البعض أن بإمكانهم إنتخاب سياسيين قادرين
على أنتزاع ملكيات البعض ومنحها لآخرين. كما تم إستحداث الدعم الحكومي
للزراعة وتبعته برامج المساكن والرعاية وكان لا بد من فتح الطرق ووضع
القيود وفرض الضرائب على القطاع الخاص وبذلك أصبح بعض المنتجين عاطلين
وتدهور النشاط الاقتصادي وبدأت الجموع الغاضبة تدور في الشوارع مطالبة
الحكومة بالخبز والعمل وإندفع الكثيرون لإستبدال الحرية بالأمان وبدأ
النظام بالإنهيار وتحولت الجمهورية إلى ديمقراطية وإنتهت بأوليغاركية تحت
حكم القياصرة .
وبذلك
لم تكن الديمقراطية بنفسها حالة مستقرة من الحكومة بل كانت مرحلة في تطور
تدريجي من حكومة محدودة إلى حكم أوليغاركي غير محدود .
و سيكون علينا الأختيار بين جمهورية يسود فيها القانون أو أن نتجه إلى أوليغاركية أو دكتاتورية المجموعة أو الحزب.
والخيار متروك لنا لنختار بين هذين النظامين ولنا فقط إذا لم نسمح لأحد بالتدخل في خصوصيات عائلتنا العراقية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق