منذ
ما يقل عن نصف القرن من حياتنا عرفنا الزعيم عبدالكريم قاسم حين كنا
صبيانا نتعلم الحياة وكان رئيسا للوزراء ووزيرا للدفاع بينما تشكل مجلس
الرئاسة في حينها برئاسة نجيب الربيعي ثم عرفنا بعده حكاما كثيرين كرؤساء
جمهوريات أو رؤساء حكومات أو وزراء للدفاع بدءا من عبدالسلام عارف وطاهر
يحيى وحردان عبدالغفار وعبدالرحمن عارف وعبدالرحمن البزاز وعبدالعزيز
العقيلي وأحمد حسن البكر وعبدالرزاق النايف وسعدون حمادي ومحمد حمزة
الزبيدي مرورا بصدام حسين وفترته المظلمة حتى إنتهينا بغازي الياور وجلال
الطالباني وأياد علاوي وحازم الشعلان وإبراهيم الجعفري وجواد المالكي
أخيرا.
ليس
من السهل أن نغامر بتقييم الأنسان خلال حياته لأن ذلك يعتبر موقفا سياسيا
ونحن هنا لا نتكلم في السياسة. بل بالأمكان الحديث عنه بعد مماته لبيان
تأثيره في الحياة وقياس حب الناس له ومقدار ما قدم لشعبه ومدى إخلاصه لعمله
وما ترك من تأثير في الحياة والمحيط.
لن
أطيل الحديث لأتكلم عن إنجازات الزعيم المادية مثل بناء مدينة الثورة أو
الشعلة وزيونة والمأمون والأسكان ومشاريع الأسكان والأراضي التي وزعها على
الجميع أو قناة الجيش أو المعامل والأعمال والمصانع التي رصعت أرض العراق
شمالا وجنوبا والتي توزعت على كل المحافظات والمناطق الرئيسية ولن أذكر
إنجازاته المهمة بإخراج آخر الجنود الأنكليز من الحبانية وسن الذبان
والشعيبة والخروج من حلف بغداد أو من منطقة الأسترليني أو الأصلاح الزراعي
بإستملاك الفائض من الأراضي الزراعية وتعويض أصحابها وتوزيعها على الفلاحين
أو إلغاء قانون دعاوي العشائر أو سحب الفائض من الأراضي من شركات النفط
دون المس بأعمالها أو دعم الثورة الجزائرية وتحمل ميزانيات المحميات
البريطانية التي تحولت بعد إستقلالها إلى إمارات ودويلات صغيرة أو غيرها من
الأعمال التي لا يتسع لها مقالنا هذا.
سأتكلم
هنا عن قيمة الأنسان التي تحققت مع الزعيم وسمو الأخلاق التي أعطاها
نموذجا وإلتزاما وإخلاصا. لن أقول إنه كان من أحسن الحكام ولكن بالله عليكم
قٌارنوه بالجميع وسنجد الجواب واضحا كالشمس فقد كان بين الجميع عملاقا لا
يقارن أحد به ونزيها حد نزاهة الأنبياء ومخلصا للعراق كالنسر لموطنه وعاقلا
ببناء وطنه وعراقيا صميما لم يعرف عنه أحد أنه كان طائفيا أو قوميا متعصبا
حتى عندما أسس جيش التحرير الفلسطيني كان موقفه إنسانيا يضع المسؤولية على
عاتق أهلها ليحاربوا عنها.
هذا
هو السبب الذي ترك الزعيم الخالد عبدالكريم قاسم حيا في قلوب شعبنا ومثالا
لما يجب أن يكون عليه الحاكم. وياليت الذين لحقوه في موقع المسؤولية إلى
يومنا هذا يقرأون سيرته وحياته ليتمثلوا بها وليعرفوا إن عدم حصولهم على حب
الناس والذكر الطيب ليس بسبب الناس فالشعب كائن حي كبير يعرف من يحب
ولماذا يحب أما من يفقد مثل هذا الحب فالذنب ذنبه والناس يحكمون على الحكام
بعقل الجماعة ولكن يحبون بقلب الفرد.
كان
الزعيم بإختصار صادقا ظاهرا وباطنا ومخلصا لوظيفته ومسلما بخشوع المتقين
وبلا طائفية دفينة أو غطرسة تعالي وكان بسيطا في تعامله مع الناس كبارا
وصغارا ولم يعين قريبا له في منصب أو موقع متقدم في الدولة كما لم يبن
لنفسه صروحا لتخليد ذكراه كالتماثيل والساحات ولم يسمي شارعا بإسمه كما
يفعل الآخرون ولم يقبل عبادة الشخصية كما لم يرفض مقابلة أحد وكان لا يتدخل
في القضاء و يدع المسؤول يتحمل مسؤولية منصبه ولا يتدخل بها ولم يحاسب أحد
بجريرة آخر ولم يطرد الوزير لأن أخو الوزير قام بمحاولة إنقلابية عليه.
وكان يضع الناس في مواقع المسؤولية كلا حسب قدرته لا فضل لأحد على آخر إلا
بعلمه وقدرته وقابلياته فرأينا الوزراء الحقيقيين ولم نر الوزراء الذين
يهرب أحدهم لاجئا لعدم قدرته ويهرب الآخر سارقا أموال وزارته ويعين الثالث
من أبناء عمومته وأبناء حزبه مهما كان صغيرا في مختلف أعمال وزارته . لم
يكن الزعيم كاذبا مع العراقيين ومع نفسه فقد عين الوزراء من خيرة الكوادر
العلمية ولم ينظر إلى دينهم ومذهبهم وعشيرتهم بل إلى كفاءتهم وعلمهم ولنا
في تعيين الدكتور عبدالجبار عبدالله الصابئي المندائي وهو من علماء العالم
المعروفين رئيسا لجامعة بغداد مثلا.
ياليت
مسؤولينا ووزرائنا وحكامنا يدرسون سيرة هذا الرجل وياليتهم يأخذون منه
التواضع والأخلاص وحب العراق وشعب العراق فقد تكون في هذا الحب مصلحة
لتحسين أوضاعنا التي أوصلوها تتابعا إلى الحضيض.
رحمك
الله يا عبدالكريم قاسم وسيبقى إسمك خالدا بينما سينسى الناس حكاما تولوا
الحكم بعدك ولن يبق من ذكرهم إلا الأسم في بعض صفحات الكتب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق