يضع
الأنسان أحيانا لنفسه نظريات وقناعات ثابتة لا يقبل أو يحاول تغييرها رغم
الوقائع والأحداث التي تأتي لإثبات عدم صحتها أو دقتها. وغالبا ما يكون من
غير الممكن تفسير الوقائع بموجب تلك النظريات إلا بعد تحريف الوقائع ولكن
من الممكن تغيير و تعديل النظرية وتطويرها لكي تنطبق على الأحداث وتعطيها
التفسير الدقيق وبالتالي توفر لك التفسير المقنع لسير الأحداث والتنبؤ
بمستقبلها في نفس الظروف القائمة أو مع التغير الطفيف فيها. وإذا ما كانت
توقعاتك صحيحة في ظرف ما فإن نظرياتك صحيحة إلى درجة ما وإذا إستمرت
التوقعات والتفسيرات صحيحة لعدة مراحل فإن النظرية تكون أكثر صحة ودقة
وتستمر في كونها صحيحة إلى أن يولد ما يغير مبادئها وأسسها. إن النظرية
الصحيحة تعطي التفسيرات للوقائع وتتنبأ بردود الفعل إلى أن تأتي نظريات
تالية لها تعدل فيها أو تزيدها دقة أو تنفيها وتقدم التفسيرات الأدق
للوقائع وتكون تنبؤاتها المستقبلية أكثر صحة وواقعية.
وما
ينطبق على الحياة بشكل عام ينطبق على الفهم النظري للسياسة والأحداث
الواقعة خلال مرحلة من الزمن حيث إن الفهم الصحيح لواقع معين يتطلب إمتلاك
النظرية الملائمة والصحيحة وفهم مختلف العوامل الداخلة في تشكيل الأحداث
وتوقع ردود أفعالها وأفكارها وأهدافها. إن أي فهم خاطئ للعوامل الداخلة في
أي حدث يضع الأساس الخاطئ لفهم مجمل العملية والتنبؤ بمستقبل حركتها و وضع
الأسلوب الخاطئ لمعالجتها.
إن
ما حدث في العراق منذ 9/4/2003 وتغيير نظام الحكم وإسقاط النظام الشمولي
لحزب البعث وما تلا ذلك من أحداث كالإقتتال الداخلي والطائفي والحزبي
والفساد الإداري ونهب أموال الدولة والتداخلات في المواقف يكون من الصعب
أحيانا فهمها إن لم يتم فهم وإستيعاب المؤشرات السابقة لذلك اليوم الذي لم
يكن منعزلا عن أحداث سبقته.
بدأ
حزب البعث في العراق بالتفكير جديا في احتمالات الاصطدام المباشر مع
الأمريكان من خلال قراءة الوضع الدولي والمفاهيم الجديدة للأمريكان بعد
جريمة تفجير مبنى التجارة الدولية في نيويورك بالطائرات وتم التنسيق الكامل
على أعلى مستويات القيادة العراقية حينذاك لغرض وضع الخطط العامة على هذا
الأساس وبإشراف مباشر وتفصيلي من رأس النظام الديكتاتوري الطاغية صدام
حسين. وقد تم التعاون والتنسيق على أعلى مستويات السرية والتكتم مع أطراف
دولية متعددة الأغراض منها أوروبية (بقايا المخابرات السوفيتية
وغيرها) وإسلامية (وعلى رأسها القاعدة
وأطراف من الحكومة الإيرانية
) وعربية (حزب البعث السوري
وحزب الله اللبناني
) كان لها جميعا عدو مشترك واحد هو الولايات المتحدة الأمريكية والنظام الغربي بشكل عام رغم الأقتتال الظاهري بينها أحيانا.
وقامت
الحرب وتقدمت قوات التحالف لغزو العراق من أجل إحداث تغيير شامل في
المنطقة والقضاء على الأرهاب مع أهداف أخرى غير معلنة. وبعد مرور أشهر
قليلة بدأ رد الفعل يتخذ شكله المتوقع وذلك على شكل تماس مباشر بين القوات
الغربية المتحالفة والتحالف الجديد الذي يضم في الظاهر أطرافا عديدة غير إن
النظرة الثاقبة تؤكد تعاون هذه الأطراف مشتركة في هدف واحد هو إحداث أكبر
الضرر الممكن بالعراق من أجل إحراج الأمريكان ووضعهم في زاوية حرجة
وإظهارهم في موقف الخسارة والهزيمة الإستراتيجية من أجل تحقيق الهدف
النهائي وهو إبعادهم عن المنطقة.
وقد
بدأت منذ فترة ملامح وإشارات وأخبار تشير إلى أن هناك مفاوضات سرية في
دمشق بين إيران و البعثيين الذين اضطرتهم السياسة الإيرانية إلى إعداد بديل
ذو شكل ومظهر جديد غير بارز الإجرام ويمكن تمريره بإسم حزب البعث العراقي
هو (جماعة محمد يونس الأحمد) وليس (جماعة عزت الدوري) بإعتبار عزت الدوري
شخصا تم تسويقه سابقا وليس من السهل قبوله من عامة الشعب العراقي. وكان
العراق على الهامش في هذه الاجتماعات . وجاءت نتيجة هذه الأجتماعات
التنسيقية بعد أن سارت على ما يرام وتم الأتفاق الأولي على أن يعود
البعثيون عبر مشاريع المصالحة وبدعوات وقف سيل الدم العراقي إلى استلام
مواقع متقدمة في الدولة بما لا يقل عن نصف الحكومة بممثليهم المباشرين أو
غير المباشرين ويجاز حزب البعث باسمه أو باسم آخر (العودة) مثلا و لم تكن
الحكومة العراقية موجودة سوى على هامش تلك الأجتماعات بإنتظار نتائجها وما
أن تم الأتفاق بين طهران والبعثيين حتى صدرت أوامر إعداد السيناريو اللازم
لاخراج تلك التمثيلية إلى حيز الوجود وتطبيقها . وبهذا فستحصل طهران على
تحقيق مطلبها بإبعاد الأمريكان عن عتبة دارها أولا ثم نشر نفوذها على
العراق والاستفادة من الاحتياطي الهائل من مخزونه النفطي بعد أن قارب
الاحتياطي الأيراني على النفاذ خلال سنوات قليلة قادمة ولا سيما إن إستمرار
طهران بمحاولة حل مشاكل الطاقة باستخدام الطاقة النووية قد جابهت صعابا
ومخاطر وتجعل كل المحطات الايرانية الرئيسية في متناول يد اسرائيل التي
يمكن لها أن تضرب مرة واحدة أربعة أو خمسة مفاعلات إيرانية لتجعل من ليل
طهران أسود قاتما. ويحصل البعثيون على حكم العراق الذي سيتقاسمونه مع ممثلي
طهران بشكل مباشر بعد التضحية بالجزء الصغير الذي يقوده الدوري. وتتمكن
التيارات الأسلامية المتطرفة ومن يقف وراءها من التحرك قدما نحو مساحات
أكبر لنشر نفوذها ونقل خطوط جبهاتها مع العالم الحر إلى مراحل متقدمة.
بذلك
فقد صدرت تعليمات مباشرة إلى الحكومة والقيادات السياسية العراقية التي
تأتمر بأوامر طهران بعدم ذكر (البعثيين) بسوء مع السماح بشتم (الصداميين)
فقط وبالنتيجة وبعد موت صدام فإن الصداميين قد انتهوا وتعود المياه إلى
مجاريها وهكذا كان الاستعجال في إعدام الطاغية وتقديم مسودة القانون الخاص
للمصالحة والمساءلة وإغلاق باب الشكوى على البعثيين بعد ثلاثة أشهر من
إصداره وينتهي الموضوع وكأن شيئا لم يكن . وبدأت إذاعة وتلفزيون وإعلام
الحكومة تمشي وفق هذه الخطة يمكن التعرف على ملامحها بمتابعة ما ينشر فيها
جميعا. وشارك الأعلام الأيراني ومحطتا تلفزيون الفرات والعالم في هذا
المخطط بإغفال ما يسيء إلى البعثيين تماما.
المهم
في الموضوع إن التغيير في موقف الحكومة من البعثيين كان ظاهرا ولم يكن من
العجيب أن لا تحتفل الحكومة أو الأحزاب المشتركة في الحكم بالأنتفاضة
الشعبانية كجزء من التقرب من البعثيين الذين ما زالوا يسمون الأنتفاضة
بصفحة الغدر والخيانة وكذلك خلو الموقف الرسمي أو الحكومي أو وسائل الأعلام
التابعة لأطراف الحكومة من أي ذكر للبعث والبعثيين. وسيبدو الموقف واضحا
أكثر مع مرور الزمن ومع تقدم الحكومة بمسودة لائحة قانون المصالحة
والمساءلة وتطور حركة الأعلام العراقي بإتجاه التقارب مع البعثيين تحت
تسميات المصالحة والعدالة. ولا نستغرب لو لم يتم الأحتفال بيوم المقابر
الجماعية في منتصف الشهر القادم أو لم تتم الأشارة إلى قاتلي شهداء المقابر
الجماعية من قريب أو بعيد.
من
المهم معرفة الحقيقة ويقضي الأنسان حياته يبحث عن الحقيقة ويموت من أجل
ذلك ولكن الحقيقة قد تكون أغرب من الخيال أحيانا. إن الواجب الأساسي لكل
العراقيين تشديد الحملة ضد البعث الفاشي بكل أوجهه وبكل نشاطاته ما دام
هناك بعثي واحد يؤمن بأن إجراءات حزب البعث الفاشي في قتل أولادنا وإخوتنا
كان صائبا وصحيحا ويستحق التقدير والتبجيل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق