ورد
خبر قرار مجلس الوزراء إحالة مشروع مترو بغداد إلى أمانة بغداد وتكليفها
بتنفيذ الجزء الأول من المشروع ببناء خط يمتد من حي الأمين مرورا بمدينة
الصدر وصولا إلى الأعظمية. والخبر كما يبدو بسيطا ولكنه عميق الجوانب
لمن يعرف عن تاريخ هذا المشروع. لقد كانت الكلفة التقديرية لهذا الخط عام
1983 تزيد قليلا على (17) مليار دولار وكان الأستشاري البريطاني قد ضمن
ملاحظة مهمة في دراساته تشير صراحة إلى عدم جدوى المشروع في مدينة منبسطة
الأرتفاعات كمدينة بغداد المترامية الأطراف والتي لا تزيد مبانيها على
طابقين إرتفاعا وذات الكثافة السكانية المنخفضة قياسا بشبيهاتها من المدن
من حيث عدد السكان. وقد تمت دراسات عديدة من قبل مختلف المهندسين
الأستشاريين العراقيين أثبتت في النهاية عدم جدوى المشروع بسبب الكلف
العالية وإنخفاض الفوائد المتوقعة وقررت الحكومة حينذاك إلغاء المشروع رغم
محاولة الدكتاتور بناء المترو ليكون جزءا مهما من دفاعاته العسكرية
لأمكانية إستخدام الأنفاق – حسب تصوره الخائب – كملاجئ نووية. إن عدم
جدوى المشروع واضحة للعيان فمقابل كلفة تصل حاليا إلى أكثر من (40) مليار
دولار (على إعتبار الزيادات السنوية في الكلف للفترة من 1983 لغاية 200
يكون هذا المشروع في ذيل الأولويات المطلوبة لتقدم وتطور البلد خاصة وإن
فتح مناطق بغداد لبناء الأنفاق اللازمة للمترو ستكون وبالا طويل الأمد على
بغداد التي تفتقد الجمال أصلا حاليا. كما إن مواصفات المشروع تتطلب إستخدام
طريقة الحفر والبناء وإعادة التغطية أي حفر قنوات بعرض عشرات الأمتار وعمق
لا يقل عن 30 مترا لتبنى في قاعها الأنفاق الكونكريتية للقطارات وقواعدها
ومحطاتها ثم تغطى هذه الأنفاق والمحطات بالتراب الناجم عن هذه الحفر
والقنوات الواسعة لتبنى عليها المباني التي تهدمت والشوارع التي خربت
وأنابيب الماء والمجاري التي تقطعت أوصالها وأعمدة وأسلاك الهاتف والكهرباء
والخدمات .. الخ.حيث إستبعد الأستشاري البريطاني فكرة إستخدام طريقة حفر
الأنفاق بالأجهزة الحفارة الكبيرة تحت الأرض بسبب طبيعة التربة الرخوة
والأرض الرسوبية ومستوى المياه الجوفية وبالتالي إقترح طريقة الحفر- البناء
– الردم والتي تستغرق فترات أطول للأنشاء. كما لا يفوتنا أن نذكر أعمال
الصيانة اللازمة لشبكة أنفاق في منطقة يرتفع فيها مستوى المياه الجوفية
ليقترب من سطح الأرض وتأثير الثقافة الفنية العامة المنخفضة المستوى ومستوى
الصيانة المتدني المتوقع على الشبكة المطلوب بناؤها ناهيك عن مستوى
النظافة المتوقع لهذه الأنفاق والمحطات التحت أرضية إذا حكمنا من النظر إلى
مستوى نظافة أنفاقنا البسيطة الحالية ومرافقنا العامة وغيرها التي تفتقد
الصيانة والنظافة. كما لا بد من الإشارة إلى خدمات الأمن المطلوبة لهذه
الأنفاق ومحطاتها والتي ستكون وبالا على مدينة مثل بغداد يشكل الأمن فيها
مشكلة كبيرة. كما لا بد من الإشارة إلى موضوع المحافظة على البيئة وتأثير
الأنفاق الأرضية عليها. إذا كانت بغداد تحتاج إلى شبكة للنقل العام
السريع فإن الأولى أن يفكر المؤتمنون على أموالنا وعلى بلدنا بشبكة للنقل
السريع بواسطة قطارات معلقة فوق السطح بدلا من قطارات الأنفاق على أن تدرس
شبكة الطرق الحالية وتطويرها من قبل جهات إختصاصية وإستشارية حقيقية لا أن
تدرس ويتخذ القرار بشأنها من قبل السياسيين الذين تعوزهم الخبرة والأختصاص
والأطلاع على أقل تقدير. إن تطوير شبكات الطرق الحالية يمكن أن يحسن
وضع المرور والطرق في مدينة بغداد بشكل ممتاز إلا أنه لا بأس من دراسة
موضوع إقامة مشروع للحركة السريعة إعتمادا على قطارات كهربائية معلقة لأن
كلفتها ستكون عشر معشار كلفة مترو الأنفاق بالإضافة إلى الفرق الشديد في
كلف الصيانة والتنظيف وسرعة التنفيذ التي تقل عن سرعة التنفيذ اللازمة
لشبكة من نفس حجم الخدمة من مترو القطارات. ألا هل بلغت ... اللهم فأشهد.
|
|
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق